اسد حيدر

237

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

أما مالك بن أنس فقد كان في حياة الإمام الصادق عليه السّلام كأحد رجال المدينة ، ولم ينتشر ذكره إلا بعد سنة 148 ه - وهي سنة وفاة الإمام الصادق ، وكان ضربه بالسياط وإهانته في سنة 146 ه - أي قبل وفاة الإمام الصادق بأقل من سنتين ، وبعد سنة 148 ه - وجه المنصور نظره نحو مالك وأمره أن يضع كتابا يحمل الناس عليه ويوزع منه نسخا في الأمصار ولا يكون غيره . وكان غرض المنصور من ذلك هو معارضة انتشار مذهب أهل البيت ، لأنه يثقل عليه تخليد ذكر جعفر بن محمد عليه السّلام وقيام ولده الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام بعده والتفاف الناس حوله حتى لقبوه بالعالم وهو هو في زهده وورعه وعلمه . لم يغب عن مالك مغزى هذا التكليف فأجابه : يا أمير المؤمنين لا تفعل ؛ أما هذا الصقع فقد كفيتكه ، وأما الشام ففيه الرجل الذي علمته - يعني الأوزاعي ، وأما أهل العراق فهم أهل العراق . فكان المنصور يشد أزر الأوزاعي ويراسله ويلحظ مالكا ويواصله حتى ازدحم الناس على باب داره التي أصبحت كأبواب دور الملوك . وبذل جهده بالانتصار إلى أهل الرأي وهو يأمل من وراء ذلك كله تغليب مذهبه على مبادئ أهل البيت ، ولما اشتد جانب الدولة وقوي ساعدها ، أظهر المنصور ما كان يضمره ، فأعلن مقاومة أهل البيت ومعارضة انتشار مذهبهم ، وشدد النكير على أهله . معارضة المنصور والرشيد للمذهب : وكان المنصور يأمل بالإمام أبي حنيفة عندما رعاه بعنايته ونصره وقدمه على كثير من الفقهاء أن يوجد منه شخصية علمية تقف أمام انتشار مذهب جعفر بن محمد عليه السّلام ولكنه قد خاب أمله ، فهذا الإمام أبو حنيفة يصرح للملإ بأنه ما رأى أعلم من جعفر بن محمد عليه السّلام وأنه أعلم الأمة « 1 » . وسأله رجل يوما عن رجل وقف ماله للإمام فمن يكون المستحق ؟ فأجاب أبو حنيفة : المستحق هو جعفر الصادق لأنه هو الإمام الحق « 2 » .

--> ( 1 ) جامع مسانيد ابن حنيفة ج 1 ص 222 . ( 2 ) تاريخ العلويين محمد أمين غالب ص 140 .